مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي.. المهنة تعيد تعريف نفسها



الفرصة الذهبية للمؤسسات الإخبارية المصرية كي تنافس عالميًا


الخوارزميات تدخل "صناعة الأخبار" والصحفي ينتقل من إنتاط المحتوى إلى إدارة المعرفة


جامعات المستقبل تتحول تدريس الأدوات التقليدية إلى بناء "العقل النقدي"

 

لم يعد السؤال المطروح داخل المؤسسات الإعلامية اليوم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح جزءاً من صناعة الإعلام، لأن هذا السؤال حسمته الممارسة بالفعل، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية هو أين تنتهي حدود الآلة وتبدأ مسؤولية الإعلامي؟ فالتكنولوجيا التي دخلت قبل سنوات إلى غرف الأخبار كأداة تساعد الصحفي في البحث وتحليل البيانات، أصبحت اليوم قادرة على كتابة النص واقتراح العنوان وترجمة المحتوى وإنتاج الصورة والصوت والفيديو، وتلخيص مئات الصفحات في دقائق، بل وأصبحت وسيطاً جديداً يصل من خلاله الجمهور إلى الأخبار دون المرور المباشر بالمؤسسة الإعلامية.
هذه النقلة تغير الكثير في مفهوم العمل الإعلامي الذي اعتدنا عليه ودرسناه وبحثنا فيه؛ لأننا انتقلنا من مرحلة يستخدم فيها الصحفي التكنولوجيا لإنجاز عمله، إلى مرحلة أصبحت فيها التكنولوجيا نفسها شريكاً في إنتاج هذا العمل.. وهنا المسألة فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج محتوى جيد الصياغة، وقد يفعل ذلك بسرعة تفوق قدرة الإنسان، لكنه لا يعرف بالمعنى المهني لماذا ينبغي نشر معلومة وحجب أخرى، ولا يقدر الضرر الذي قد يصيب إنساناً بسبب خطأ، ولا يستطيع تحمل مسؤولية خبر غير دقيق أو صورة مضللة أو اتهام بلا دليل.. وهذه المساحة تحديداً هي التي تجعل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي قضية أخلاقية ومعرفية قبل أن تكون قضية تكنولوجية.
وقد تغيرت طبيعة العلاقة بين الجمهور والأخبار بالتوازي مع ذلك.. ففي تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، والمبني على قرابة مائة ألف مقابلة في 48 سوقاً، ارتفعت نسبة من يستخدمون روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار أسبوعياً من 7% إلى 10% خلال عام واحد، ووصلت إلى 16% بين من تقل أعمارهم عن 35 عاماً.. وقد تبدو النسبة محدودة، لكنها تعني أننا أمام بوابة جديدة للأخبار تنمو سريعاً، والأكثر أهمية أن 1% فقط يعتمدون عليها على أساس أنها المصدر الرئيسي للأخبار، بما يشير أن الجمهور لا يزال يتعامل معها كوسيط مساعد أكثر من كونها بديلاً كاملاً للمؤسسات الصحفية.
لكن الوجه الآخر لهذه الأرقام أكثر أهمية؛ فالثقة العالمية في الأخبار المقدمة عبر روبوتات الذكاء الاصطناعي لم تتجاوز 20%، في الوقت الذي تراجعت فيه الثقة في الأخبار عموماً إلى 37%، وهو أدنى مستوى سجله تقرير رويترز منذ بدء قياس هذا المؤشر عام 2015.. وبالتالى فقضية الذكاء الاصطناعي جزء من أزمة ثقة أكبر يعيشها الإعلام العالمى.. وإذا كانت المؤسسات الصحفية الدولية قد أمضت عقوداً في بناء أسماء وعلامات مهنية يعرف الجمهور من يقف وراءها ومن يمكن مساءلته عن أخطائها، فإن هذه الدول أصبحت الآن أمام محتوى قد يصل إلى المتلقي دون أن يعرف من جمع معلوماته، ومن راجعها، ومن اختار مصادرها، ومن يتحمل مسؤوليتها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن الصحافة في جوهرها ليست مهنة كتابة.. الكتابة هي الصورة الأخيرة التي يراها الجمهور، أما العمل الصحفي الحقيقي فيسبقها بمراحل؛ يبدأ من اختيار القضية وطرح السؤال والبحث عن المعلومات، ثم الوصول إلى المصدر وفحص الوثيقة ومقارنة الروايات والتحقق من الأرقام ووضع الواقعة في سياقها، وبعد ذلك كله يأتي القرار المهني بشأن ما يمكن نشره وكيفية نشره.. وإذا اختزلنا الصحافة في إنتاج النص فسوف تنتصر الآلة بسهولة، أما إذا فهمناها كعملية لإنتاج معرفة موثوقة للمجتمع، فإن الإنسان يظل في قلبها.
وتدعم هذا المعنى مراجعة منهجية حديثة للباحثين لورينا ليسينجي وجوليان هوكشا نشرت عام 2026، حول الأخبار المكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي ومؤشرات مصدر المحتوى وتأثير ذلك في المصداقية والثقة.. وقد راجعت الدراسة 47 بحثاً تجريبياً، ووجدت أن الجمهور لا يرفض المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي بصورة واحدة في كل الحالات، وإنما تتغير استجابته بحسب طبيعة الموضوع ومستوى ثقته السابق والمصدر ومدى وضوح وجود إشراف بشري، كما ظهر قدر أكبر من التشكك عندما يوحي الإفصاح بأن عملية الإنتاج تمت آلياً بالكامل دون معلومات واضحة عن الرقابة والمساءلة.
ومن هنا فإن الحديث عن ظاهرة "الإنسان داخل حلقة" ليس تعبير تقني، وإنما قاعدة مهنية يجب ألا نتنازل عنها.. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الصحفي في فرز آلاف الوثائق، لكنه لا ينبغي أن يقرر وحده من يستحق الاتهام.. ويمكنه تحليل مجموعة ضخمة من البيانات، لكن عليه ألا يحدد وحده دلالتها الاجتماعية.. ويمكنه اقتراح عنوان، لكن الصحفي هو من ينبغي أن يسأل إذا كان العنوان دقيقاً أو مثيراً بصورة مضللة.. ويمكنه إنتاج صورة واقعية لشخص أو مكان لم يوجد أصلاً، وهنا تصبح قدرة الإعلامي على التحقق أهم من قدرته على الإنتاج.
والمثير أن دراسة تجريبية نشرها الباحث تي.فرانكلين واديل عام 2026 حول تأثير سياسات الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الثقة المدركة والقيمة المالية للأخبار المؤتمتة، اختبرت هذه المسألة على 675 مشاركاً في الولايات المتحدة، ووجدت أن اطلاع الجمهور على سياسة واضحة تشرح كيف تستخدم المؤسسة الذكاء الاصطناعي ولماذا تستخدمه رفع إدراكهم لشفافية المؤسسة وإشرافها على التكنولوجيا وأخلاقيات استخدامها، كما رفع تقييمهم لموثوقية الأخبار المدعومة بالذكاء الاصطناعي واستعدادهم للاشتراك فيها. والدلالة هنا مهمة؛ فالمشكلة ليست دائماً في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما تكون في استخدامه دون قواعد واضحة ودون أن يعرف الجمهور موقع الإنسان من عملية الإنتاج.
وهنا نصل إلى مسؤولية المؤسسة الإعلامية نفسها فليس من المقبول أن يُترك استخدام هذه الأدوات لاجتهاد كل صحفي بصورة فردية..  نحن بحاجة إلى سياسات تحريرية تحدد ما الذي يجوز تفويضه للآلة، وما الذي يجب أن يبقى في يد الإنسان، وكيف تتم مراجعة المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، ومتى يجب الإفصاح عن استخدامه، وكيف نتعامل مع الصور والأصوات المولدة، ومن المسؤول عندما ينتج النظام معلومة خاطئة ثم تجد طريقها إلى الجمهور.
لاسيما وأن الأمر يصبح أكثر حساسية مع الصور فقد توصلت دراسة يوهان لي وهانج لو المنشورة في 2026، والتي أجريت على 1171 مشاركاً، إلى أن استخدام الصور الإخبارية المولدة بالذكاء الاصطناعي خفض الثقة في المؤسسات الإخبارية وقبول استخدام الذكاء الاصطناعي مقارنة بالصور الحقيقية، حتى مع وجود أشكال مختلفة من الإفصاح. لكنها وجدت أيضاً أن الجمهور كان أكثر تقبلاً عندما ارتبط الاستخدام بهدف يخدم قيمة صحفية أو إنسانية، مثل حماية خصوصية الضحايا، مقارنة باستخدامه لمجرد خفض تكاليف المؤسسة. وهذا فارق بالغ الدلالة؛ فالجمهور لا يسأل فقط "هل استخدمتم الذكاء الاصطناعي؟" وإنما يسأل أيضاً لماذا استخدمتموه؟.
ومن هنا تبدأ مسؤولية كليات الإعلام فالطالب الذي يدخل الجامعة اليوم سيتخرج إلى سوق مهني مختلف جذرياً عن ذلك الذي صممت من أجله كثير من المناهج التقليدية، لن يكون كافياً أن نعلمه كيف يكتب خبراً أو يجري حواراً أو يصور تقريراً، لأن بعض الجوانب التنفيذية لهذه المهارات تستطيع التكنولوجيا بالفعل القيام بها، وستصبح أكثر قدرة عليها مع الوقت، ما يحتاجه الطالب هو أن يتعلم كيف يفكر صحفياً في بيئة تعمل فيها الآلة إلى جواره، وكيف يراجع ما تنتجه، ويكشف أخطاءها وانحيازاتها، ويتحقق من الصور والأصوات، ويفهم البيانات والخوارزميات، ويحافظ في الوقت نفسه على القواعد المهنية التي صنعت قيمة الصحافة قبل ظهور الذكاء الاصطناعي.
وتقدم دراسة ليفانج تشين ومو تشين المنشورة عام 2026 دليلاً مهماً في هذا الاتجاه فقد درست 500 طالب من طلاب الصحافة والاتصال في خمس جامعات، ووجدت أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم لا ينقل المهارة المهنية إلى الطالب بصورة مباشرة أو سحرية، وإنما يعمل عبر مسار يبدأ بزيادة انخراط الطالب في التعلم، ثم تطوير قدراته في التربية الإعلامية، ومنها إلى تنمية الكفاءة المهنية. وهذا يعني أن مجرد إتاحة الأدوات للطلاب لا يصنع إعلامياً أفضل؛ فالفرق الحقيقي تصنعه الطريقة التي تدخل بها هذه التكنولوجيا إلى العملية التعليمية.
بل إن دراسة مصرية حديثة منشورة في 2026 اختبرت استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لدى طلاب الإعلام في جامعة 6 أكتوبر، وأظهرت نتائجها تحسناً في قدرتهم على تحليل المحتوى الإعلامي بعد التدريب على مجموعة من الأدوات واستخدامها في تحليل نشرات إخبارية وهذه النتيجة مهمة بالنسبة لنا؛ لأنها تؤكد أن المطلوب ليس إغلاق أبواب كليات الإعلام أمام الذكاء الاصطناعي خوفاً منه، وإنما إدخاله وفق تصور تعليمي يجعل الطالب مستخدماً ناقداً للتكنولوجيا، لا تابعاً لها.
وقدمت دراسة أخرى حديثة للغاية للباحث لورانس ديريكس وزملائه، نشرت في أغسطس 2026، تصوراً عملياً لدمج النماذج اللغوية الكبرى في تعليم الصحافة عبر مراحل العمل الصحفي نفسها مثل جمع المعلومات، وفهمها وتحليلها، والتحرير، ثم النشر والتوزيع، مع ربط كل مرحلة بالمخاطر الأخلاقية التي قد تنشأ عن استخدام الذكاء الاصطناعي فيها.. وهذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن تتحرك نحوه المناهج الحديثة؛ ألا نضع الذكاء الاصطناعي في مقرر معزول يدرسه الطالب ثم ينتهي منه، وإنما نجعله جزءاً نقدياً من تدريس التحرير والاستقصاء والإذاعة والتليفزيون والصحافة الرقمية وأخلاقيات الإعلام وتحليل البيانات.
فالتحول المطلوب في التعليم الإعلامي ليس من التعليم التقليدي إلى "تعليم الذكاء الاصطناعي".. وإنما من تعليم التنفيذ وحده إلى تعليم التفكير والحكم والمسؤولية.. نحن نحتاج إلى خريج يستطيع استخدام أحدث الأدوات، لكننا نحتاج أكثر إلى خريج يعرف متى لا يستخدمها، ويعرف أن الكفاءة التقنية لا تمنحه حق تجاوز المعايير المهنية، وأن الحصول على إجابة في ثوان لا يعفيه من البحث عن مصدرها.
وهذا يعيدنا إلى الثقة فهى رأس المال الحقيقي للمؤسسات الإعلامية في المرحلة المقبلة.. فإذا كانت الآلة قادرة على إنتاج آلاف النصوص في الوقت الذي يحتاج فيه الصحفي إلى إنتاج مادة واحدة، فلن يكون من المنطقي أن تدخل الصحافة في منافسة معها على الكم.. قيمة المؤسسة الإعلامية ستكون في شيء آخر أن يعرف الجمهور أن هناك شخصاً مسؤولاً عما نُشر، وأن المعلومة خضعت للتحقق، وأن الصورة حقيقية أو جرى الإفصاح عن طبيعتها، وأن الخطأ إذا وقع سيُصحح، وأن هناك قواعد أخلاقية يمكن الرجوع إليها.
وفي هذا السياق تصبح أرقام رويترز لعام 2026 فرصة مهمة للإعلام المصري.. فالثقة العامة العالمية في الأخبار تراجعت إلى 37%، والقلق من الأخبار الكاذبة والمضللة ارتفع إلى 62% عالمياً، أما نحن فى مصر فالأوضاع لدينا مستقرة جدا داخليا ويمكننا استثمار هذه الثقة والخروج بمؤسساتنا إلى السياق العالمى إذ يستمر الجمهور في البحث عن علامات إخبارية يثق بها وسط هذا التدفق الهائل من المحتوى. 
نحن إذن لا نقف أمام نهاية الإعلام، وإنما أمام إعادة تعريف لدوره.. ستتغير غرف الأخبار، وستختفي مهام وتظهر أخرى، وستصبح العلاقة بين الإنسان والآلة أكثر تعقيداً مما نراه اليوم، لكن قيمة الإعلام ستظل مرتبطة بقدرته على تقديم معرفة يستطيع المجتمع أن يبني عليها موقفاً وقراراً.. وهنا يجب أن تكون الجامعة والمهنة معاً أسرع في وضع القواعد، وأجرأ في تغيير المناهج، وأكثر حرصاً على ألا تتحول سهولة التكنولوجيا إلى استسهال للحقيقة.

بقلم: د. نرمين خضر
عميد كلية الإعلام – الجامعة العربية المفتوحة بمصر